BLOG

La porte du Maroc vers l’Afrique
Publié le 29 juin 2020

فجيج بوّابةُ المغرب إلى إفريقيا

حقائقُ وأمنياتٌ

لم يكن الفرنسيون أول من تنبّه إلى موقع فجيج الاستراتيجي، وأهميتها في الربط بين المغرب وإفريقيا، فالتاريخ يزوّدنا بمعطياتٍ متفرقة تؤكّد أهميتها الاستراتيجية منذ زمن بعيد، وهو ما لمسناه في عددٍ من الممارسات السياسية والعسكرية والتجارية والروحية والثقافية

** فسياسيا: كانت فجيج هي المركز الأم الذي ترتبط به كل القرى والمداشر المتجهة نحو الجنوب، وقد عيّن فيها الملك المغاربة المتعاقبون عمالهم وقوادهم، للنظر في شؤونها، وفي هذا السياق نذكر قصر الراية الذي اتخذه المولى إسماعيل مقراً لخليفته وقواده وجنود، وقد كان مجاوراً لقصر العبيدات.

** وعسكريا: تطالعنا الحرْكات والحملات العسكرية التي كانت تتخذها محطة استراحة وتزوّد، منها حملاتُ الفتح والتأديب، نمثل لها بالحملة العظيمة التي قادها قائد أحمد المنصور الذهبي لإخضاعِ توات وتيكَورارين، تمهيداً منه لفتح السودان الغربي، وفي هذا يقول الفشتالي:

“فوصل ـ أي القائد ـ لبابه الغالي بمخيمه من رأس الماء، فعقد له هناك على العساكر. ونهض فيها من معسكر أمير المؤمنين بين يديْ ارتحاله لمراكشَ بذي قعدة عام تسعين ووصل إلى سجلماسّةَ، فتثاقل بها حتى انصرمَ فصل الربيع المعين للركاب على جوب القفر المعترض دون القطريْن. وارتحل من بعد ذلك، وعاج بالعساكر على فجيج، وأقام عليها مورياً باقتضاء خراجها وشقّ عليه الزحفُ لتوات، فتلكّأَ يلتمس الوليجة من دون ذلك، إلى أن تحقق أمير المؤمنين تقاعسه وإحجامه عن الزحْفِ إلى القطريْن، فسخطه وسرّح إليه منصورَ بن علي بن هطهوط من مواليه، فتقبّضَ عليه، واقتاده إلى الحضرة بين يديْه مقيّداً، فَتَلَ إلى محبسه حتى اقتضى منه ما أنفق من الأموال في أرزاقِ الجيْشِ، ومؤنة سفرهم ذاك، وأوعز ـ أيّده الله ـ للعساكر بالرجوع…” (مناهل الصفا: 65)

واختيار المنصور السعدي فجيجَ لتكونَ محطّتَه ومعبرَه نحو الجنوب، ما كان ليتمّ لو لم تكن الطريقُ بينهما سالكة ممهدة، ومعروفةً مشهورةً قبل ذلك الزمن بكثيرٍ.

** وتجارياً:  تطالعنا الوثائق التجارية القديمة، بإشارات واضحةٍ إلى أن فجيج كان من أهم المسالك التجارية نحو توات وإفريقيا، بل كانت من أهم ملتقيات القوافل التجارية في ربطها بين الشمال والجنوب ذهاباً وإياباً… وهذه حقيقةٌ معروفةٌ ومكررةٌ في كتب التاريخ، كلما تحدثوا عن المجال التجاري والطرق الصحراوية من فاس وتلمسان إلى غاو وتومبوكتو وجنّي و سواها من المدن المتداولة في القاموس التجاري آنذاك.

** ودينياً: وهنا لا ننسى أن نذكّرَ دائماً بأن فجيج كانت محطة مهمة في طريق الحجاج، يمرون بها، ويمكثون فيها يوميْن أو ثلاثةً لشراء ما يلزمهم من الزاد  والكساءِ لهم والعلف لدوابهم، وللوقوفِ على مظاهر الأنشطة العلمية والثقافية التي كانت محتدمة في جلِّ قصور فجيج. وقد احتفظوا بصورٍ مختلفةٍ لهذه الأنشطة، سجلوها في كتبهم، نذكر منها على سبيل المثال: رحلة ألعلاّمة الأديب أحمد الهشتوكي المتوفى عام 1127هـ المسماة: ” هداية الملك العلام” والرحلة الناصرية للعلامة الشهير أحمد بن مَحمد بن ناصر الدرعي المتوفى عام 1129هـ، والحج إلى بيت الله الحرام لوحيد عصره، وعالم قطره، أبي العباس الهلالي السجلماسي المتوفى عام 1175هـ، وغير هؤلاء…

** كلمة الختْم:

فهل يعجز المغرب اليوم أن يفتح هذه البوابة بأساليبَ أخرى، كان أقربها إلى التحقيق إنشاء كلية بإمكانها أن تستقبل الطلبة الأفارقة من أئمة ومرشدين بدل تركيز كل المؤسسات في المراكز الحضرية الكبرى كالرباط وفاس …. ومنها أيضاً إحياء مكانتها السياحية التي كانت في عهد الاستعمار أحسن بكثيرٍ مما هي عليه في هذا الزمن البئيس على فجيج، حتى إن الإدارة الاستعمارية كانت تنظم رحلاتٍ سياحيّةً نجحت أيما نجاحٍ وضمت في أركابها شخصيات من أمراء أوروبا وسياسييهم، ومثقفيهم وفنانيهم…

 وقبل ذلك لا بدّ من تحقيق الحلم المشروع الذي يسكن مخيلة كل فجيجي وهو إنشاء متحفٍ كبير يضم الموروث الفجيجي الذي أخذ منذ أعوام ينشطرُ ويتفرق شذَرَ مذرَ في المتاحف المغربية المختلفة، ومع ذلك لا يزال غي بيوتنا رصيدٌ يمكنُ جمعه لتحقيق هذا الحلم التاريخي، التراثي، الحضاري، والسياحي.

  وهناك هامشٌ واسع يسرع من النهوضِ بالسياحة الاستشفائية عبر تطوير مراكز التداوي بالرمال التي تشهد إقبالاً لكنه لا يزال محتشما حييّاً، لإهماله وعدم تثمينه والتعريف به.

أما السياحة الثقافية فمن شأنها أن تطبع واحةَ فجيج بإحياء خزانة دار العدّة التي زاحمت على مدى حواليْ أربعة قرون أشهر الخزائن، ولم تتقاصر رتبتها عن خزانات فاس ومراكش، حتى اتخذ الرحالون زيارتها تقليداً سنوياً مرعياً، من فاته فاته خيرٌ كثيرٌ.

هذه مقالةٌ صغيرة جمعتْ بين حقائقَ وأمنياتٍ، أما الحقائق فساطعةٌ سطوعَ الشمسِ الفجيجية، وإن بقيت الآن تاريخاً يذكر ويقرأ.. وأما الأمنياتُ فمجالها المستقبل القريب أو البعيد، وعندنا من الطاقات، ما يقرب تحقيقه، ويجعله حقيقةً يؤثّثُ بها الحاضرُ ويزدهرُ المستقبل، وإنها لأمنياتٌ ستعكس وجه فجيجٍ الحقيقيِّ، وتستنسخُ ماضيَها العريق في ثوبٍ حداثيٍّ أصيلٍ، يعيد إلى أبنائنا ثقتهم في بلدتهم وأصلهم وشخصيتهم.

والله ولي التوفيق.

0 commentaires

Soumettre un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

*

code

<a href="https://armfm.fr/author/mbenali/" target="_self">Mohamed BENALI</a>

Mohamed BENALI

Né à Ksar Maïz (Figuig) le 08/09/1954, président de l’association « Alfath » et professeur/chercheur, il a écrit plusieurs des ouvrages et quelques poèmes en arabe et amazigh.

Abonnez-vous !