BLOG

Un tour de l’histoire des épidémies à Figuig
Publié le 29 juin 2020

لم أجد لحد الآن بحثاً تناول العلاقة بين الإنسان الفجيجي والطبيعة في وداعتها أو ثورتها، على كل المستويات ولاسيما على مستوى تأثير خرجاتها الكارثية على السيولة الديموغرافية التي ميزت فجيج، والكلام هنا طبعاً عن فجيج التاريخية التي كانت عَلًما على نارٍ بكثافتها السكانية والعلمية والتجاريّة، تزرى ببعض ما يسمى اليوم حاضرة كوجدة وحتى الدار البيضاء

ولأنني مداوم على النبشِ في المصادر المحلية من وثائق ورسائل وتقاييد ورسوم، فإنني كنت أقرأ بين الحين والحين خبراً هنا وخبراً هناك عن تجليات هذه العلاقة التي من أهم سماتها أنها كانت تـتراوح بين الاعتدال في هجومها والضرب بقوةٍ لا تخطر على عقلٍ وبالٍ.

كوارث طبيعية كثيرة، وجوائح وأوبئة عديدة أوهنتْ عظْمَ الفجيجيين أو أزهقت أرواحهم، منها ما هو عام يدخل ضمن الكوارث التي كانت تضرب المغرب، وهذا النوع يمكن التماسه في المصادر التي تعالج تاريخ المغرب ككلٍّ، مثل التقاط الدرر للقادري، وتاريخ الضعيف للرباطي الذي أكد أن أحد الأوبئة في زمنه “عم جميع المغرب وغلت الأسعار وضاعت من الخلائق ما لا يحصى عددها حتى قيل مات من أهل القصر أربعة عشر ألف بالطاعون وهربت منه أهل الريف…”

ولا غرابة أن تتأثر فجيج بالأوبئة التي تضرب جهات المغرب، بالنظر إلى كونها محطة ومرحلة تجارية توزّعُ القوافلَ على مختلف الجهات، خاصة بين فاس وتوات، حتى السودان الغربي.

بإمكاننا أن نضيف شواهد أخرى على أوبئة عمت المغرب في أزمنة مختلفة، ولا سيما خلال الاستعمار ولم تنْجُ منها فجيج. وبيدنا أيضاً ما يؤكد أن فجيج خرجت سالمة من بعض الأوبئة التي ناءت بكلكلها على جهاتٍ أخرى، منها إشارة العلامة الشهير أحمد بن رحو إلى وفاة عمه الفقيه الأجل بوزيان بن رحو في وباء فاس سنة 1235هـ، ولم يذكر أنه ضرب فجيج، وهو الولوع بتسجيل الظواهر والأحداث.

وبنا الآن إلى الحديث عن أهم الأوبئة التي عانت منها فجيج ومنطقتها:

** الأوبئة:

مما لا شك فيه أن فجيج تعرضت لتيارات شديدة من الأوبئة المختلفة، لا نعرف منها إلا ما تم تدوينه من قِبَلِ بعض النبهاء، تحت تأثير المعاناة أو الحس التاريخيّ الذي تمتعوا به، فهذا الفقيه اللوذعي أحمد بن سليمان بن الرقاد يخبرنا أن عام “واحد وخمسين ومائتيْن وألف [1251هـ] هو تاريخ نزول الوباء في بلد فجيج، ومات خلقٌ كثيرٌ.. ولئن لم يستطع هذا المؤرّخُ أن يحصرَ عددهم في قصره الوداغير أو في القصور الأخرى، فإن العلاّمة أحمد بن رحو سماه طاعوناً، ووثّقَ عدد الشهداءِ في قصر المعيز وحده، فبلغ بهم ثلاثِمِائة ونيِّفٍ وأربعينَ نسمةً..

وهذا رقم مُخيف مُريعٌ نجرؤُ أن نزعم معه أن هذا الطاعون هو الأعتى على مدار القرون الخمسة الأخيرة، وربما يكون قد قضى على نسبةٍ كبيرة من ساكنة فجيج، قد تقارب النصف إن لم يكن أكثرَ.

ثم انبرى يعدد الشهداءَ من أهله، فقال: “في عام 1251 مات بالطاعون الذي وقع في بلاد المغرب في السنة المذكورة، ومات عمنا مولاي إبراهيم في فجيج… وعمنا الفقيه الأجل مولاي أحمد… وعمنا سيدي محمد

أكيد أن الأوبئة لم ترحل عن فجيج بعد ذلك التاريخ، ولم ترحم أهلها، ولا أغلقت سجلاتها، ولو راجع الناس ما عندهم من وثائق لوجدوا الإشارات إليها بدون ريْبٍ.

وسنعوِّضُ بُخلَ الناس أو سكوتَ المصادر القديمة عن تتبع تطورات المجتمع الفجيجي من حيث علاقتُه بالطبيعة، بما حفلت به المصادر الكولونيالية التي لم تقصر في مواكبة الأوبئة المستجدّة، من خلال تتبع بعض الأوبئة التي أثرت بشكل أو بآخر في السيولة الديموغرافية، وخلخلخت البنية المجتمعية بدرجات متفاوتةٍ:

1- وباء الزكام الإسباني :

لم نجد له ذكرا إلا في معرض احتفاء باريال بشخصية بطله الطبيب[أوكييه/André Auquier] الذي بذل النفس والنفيس في مطاردته والتخفيف من آثاره، وقد علمنا منه أن هذا الداء انتشر في الدائرة كلها طيلة صيف وخريف 1915، وأن عددا من أهالي فجيج كان طريحا في المستشفى أو في بيته بسببه.. ولئن تجاهل عدد المصابين والموتى، فقد أشار إلى أن الطبيب استطاع بفضل رعايته البالغة للمرضى، وتتبع تفاصيل هذا الوباء أن يخلص إلى نتائج باهرة، أفضت إلى القضاء على الوباء.. .

ولا نملك ونحن نذكر الطبيب الدكتور [أوكييه/André Auquier] إلا أن ننحنيَ احتراماً لروحه، وتقديراً لشخصه، فلقد مات في الوباء، وهو عاكفٌ على معالجة مرضاه، نعمْ، لقد مات من أجل فجيج !

2- وبــاء الزكـام 1918:

هو الذي يسمى في الأدبيات الصحيّة الغربية بالوباء الإسباني، الذي قتل أزيد من خمسين مليون شخصٍ. وقد عمَّ المنطقة في خريف العامِ، ولم تعطِه التقارير الفرنسية إلا اسم “وباء من الزكام” ، وأُفيدَ أنه انتشر في جهات أخرى من المغرب، منها على الخصوص جهة مراكش والمناطق الجبلية المجاورة له، أدى إلى حدوث وفيات كثيرة قدرت بالمئات.

زاد من حدة هذا الزكام بفجيج وباء الجدري الذي اكتسح بعض الجهات، فارتفعت فيها الوفيات إلى أعداد مخيفة، وسنحاول أن نقتصر في التفاصيل على الحالة الفجيجية، نسندها اختصارا بالإحصائيات الخاصة ببني كَيل حسب التوزيع الآتي: الرجال – النساء – البنات –  الأطفال –  المجموع:

قصر زناكَة: الرجال (13) – النساء (20) البنات (8) الأطفال (15) = 56

الحمام الفوقاني: 11 -1 – 2 – 2 = 16

المعيز: 11 – 8 – 0 – 0 = 19

الحمام التحتاني: 3 – 1 – 2 – 4 =10

الوداغير: 7 – 4 – 4 – 6 = 21

العبيدات: 1 – 1 – 0 – 0 = 2

أولاد سليمان: 3 – 6 – 16 – 0 = 25

وحصيلة الشهداء بلغت بالنسبة للرجال (49) والنساء (41) والبنات (32) والأطفال (27). أما الحصيلة النهائية فهي: (149) شهيداً وشهيدة.

ومعنى هذا أن فجيج فقدت واحدا بالمائة من ساكنتها في وباء واحد، وإذا علمنا أن الأوبئة كانت تكرر نفسها في فترات متقاربة، وأن الكوارث الطبيعية والمجاعات كانت تطل برأسها بين الحين والحين أدركنا الأثر البليغ الذي ستتركها هذه الظواهر على النمو الديموغرافي والمستوى المعيشي والحالة العامة في البلد..

أما إذا ألقينا نظرة فاحصة على اللوائح المحتفظة بأسماء الشهداء، فإننا سندرك حجم الفواجع التي كانت تخلفها داخل الأسرة الواحدة، فهذا الوباء يتّم ورمّل وترك وراءه شهيدا وشهيديْن بل أكثر في مختلف الأسر: فقد استشهد حمّو هكو شايْط الدريتي وزوجته، وقدّور ألحيان وأمه بزناكة، وفي الحمام الفوقي الراضي بن علي وولده حمّودا، وفي الوداغير أحمد بن خْليف وأخوه عبد القادر، وعاشور بن حْسين وأخواه العربي ومحمدإلخ..

أما في قبائل بني كَيل فحصد حوالي 342 نفرا من مختلف الأعمار، كان أكثرها تأثرا قبيلة أولاد فارس بمائة وستة وستين شهيدا، إذ وافقه فيها وباء الجدري، فكأنما تعاونا على حصد الأرواح، ولم يسْلمْ منه سوى قبيلة أولاد شْعايب الزورق ..

وتناقلتْ تقارير الإدارة المحلية أخبارا عن سقوط مرضى كثيرين من جميع الشرائح، منهم باريال والباشا ، والمراقب لافاي ورئيس مكتب البريد لومباردو والممرض بن علاّ.. وعددٌ من الموظفين والجنود.. وتقول أيضا:

“.. إن ربع رجال المخزن لم يعودوا قادرين على العمل بسبب انتشار هذا الوباء بين صفوفهم، وأنه يقتل عددا منهم مع توالي الأيام: قتل في يوم واحدا، ثم ثلاثة، ثم اثنين… .

بدأ الوباء يخف مع نهاية شهر أكتوبر ليختفي في الشهر الموالي. وما أن طوى العام التالي بعض أيامه، حتى أصبحت فجيج مسرحا مكشوفا لأوبئة أخرى، وخاصة منها الجدري والتيفوس، ولئن غابت عنا إحصائيتهما، فإن أخبارهما وتوصيفاتهما ترددت في بعض التقارير كما سيأتي بعد حين.

هذه الأوبئة كانت بمثابة ناقوس خطر يدق أمام سلطات الحماية، ودرسا مكلفا دفعها إلى التحرك تجاه استقدام الأطباء، وتشديد المراقبة بالتعاون مع الجماعات المحلية. فكان هؤلاء يرفعون إليها كل المستجدات الصحية في القصور، ولو لم تكن وباء، من ذلك أن عددا من أطفال قصر المعيز أصيبوا بالجرب (la gale) والرمد، فلم تتأخر الجماعة في الإبلاغ عنهم، ليتم علاجهم في ظرف أسبوع واحد . ولكن هذه التدابير لم تنفعْ أمام الأوبئة التي تكالبت على المنطقة، والتي اقتضت في حالات الذروة استنفارا شبه تام في صفوف الإدارات المتجاورة، وصدور قرارات واتخاذ تدابير للتخفيف من غلوائه..

فحينما أكد معهد باستور بالجزائر بدء تفشي “مرض 22ببني ونيف عام 1923، سارع حاكم البلدة “كولانإلى إعلامِ باريال بالإجراءات التي اتخذها بموجب مرسوم 5 غشت 1908، منها:

1/ لا يدخل أحد إلى بني ونيف خلال مدة الوباء، عربا كانوا أم أوروبيين أم سواحا.. وفي ذيل الرسالة استثنى الفجيجيين شريطة إخضاعهم للمراقبة.

2/ كل من خالف هذه التعليمات، ودخل إلى بني ونيف يخضع حال وصوله للتفلية ، ويعزل في الحجر مدة خمسة عشر يوما.

3/ على كل قادم من فجيج قصد السفرعبر قطار بني ونيف أن يعرض نفسه على طبيب فجيج أولا، ويمنحه شهادة طبية.

4/ لن يسمح بركوب القطار لأي أحد لا يحمل شهادة طبية.

5/ على كل من ينوي عرض نفسه على الطبيب أن يكون لباسه نظيفا، وإلا حرم من تصريح المرور

6/ ستخضع محطة القطار لمراقبة شديدة وصارمة.

ومن الأوبئة التي حرصت سلطات الحماية على محاربتها والوقاية منها، أومتابعة ظهورها، وتطورها وانعكاساتها:

1/ المـلاريـا : Paludisme

قبل عام 1914 كان لدى الفرنسيين انطباع بأن الملاريا قليل بفجيج، بل إن تقاريرهم لم تصنفه إلا في خانة الحالات النادرة جدا، وعلى العكس كان كبار فجيج وشيوخها الذين يعرفون جيدا أعراضه يقولون إنه وباء تاريخيٌّ موجود دائما، أما الفرنسيون فنفوا وجوده، وربطوا ظهوره بالحماية … وجاء في جواب الإدارة حين طلب منها حاكم وجدة موافاتها ببرنامجها لمحاربته:

لايوجد هذا الوباء في النجود العليا، وهو قليل في واحة فجيج؛ لأن ماء الصهاريج يجدد بالتقريب يوميا، مما يحول دون نمو يرقانات البعوض، أما مياه المستنقعات فهي نادرة، والموجود منها يعالج بالطريقة السائدة، وهي استعمال البترول في أوقات متفرقة، ولكنها منتظمة. ولا يوجد بالدائرة ضايات يمكن تجفيفها . والحالات المرضية القليلة يتم محاربتها بالتوزيع المجاني لمادة “الكينين

2/ الزهــري : Syphilis

يستفاد من مراسلات 1917 أن هذا الداء كان منتشرا بصورة مؤثرة في دائرة فجيج، فحينما حملت الجريدة الرسمية إلى باريال أخبارا مفادها أن المركز الصحي بالرباط يوفر دواءَ نوفارسينوبنزول ـ Novarsenobenzol) سارع إلى المطالبة بحصة الدائرة قائلا:

إن حاجة فجيج من هذا الدواء كبيرة، وقد قمتم بتخصيص اعتماد ثلاثمائة فرنك لذلك، وهو مبلغ غير كاف مقارنة بالحالات التي ينبغي علاجها ” . وسيأتي بعده تقرير “دوروش” يزكي ما أشير إليه. ولابد أن نربط انتشاره بظاهرة البغاء التي لم تفد إجراءاتهم الوقائية في الحد من انعكاساتها السيئة صحيا واجتماعيا .

3/ الجــدري : Variole

أخذ التعامل بجدية مع داء الجدري منذ عام 1915، إذ فيه أخذ معهد باستور بالجزائر يزود الواحة بحاجياتها من جرعات اللقاح .. ولكن هذه التدابير لم تحل دون ظهوره في فترات متقاربة، فقد أدى انتشاره في نفس العام إلى وفيات عديدة مما صنّفَه في خانة الأوبئة الفتاكة. أما عام 1919 فكان استثنائيا من حيث نتائجه الكارثية إذ قتل العشرات، وبث الرعب والفزع في ساكنة المنطقة نظرا لنقص الوسائل الكفيلة بكبح جماحه، وندع المزيد من الوصف لإحدى المذكرات التي رافقت الكارثة:

“… إن الحالة الصحية العامة بالدائرة كارثية جدا، بسبب انتشار وباء الجدري، انتشارا جنونيا حصد في طريقه عشرات الضحايا في كل القصور، والقبائل الرحل. ومما زاد الطين بلة صعوبة القيام بإجراءات وقائية، نظرا لعدم تعيين طبيب بفجيج منذ موت “أوكيي”.. إن العدوى تنتقل سريعا في صفوف الصغار والنساء والفتيات، إذ لم يلقّح منهن إلا عدد يسير جدا، أما الصغار فلم يلقّح منهم أحد، وتابعت المذكرة تقول:

“… وقعت الاستفادة من الزيارة السياحية التي يقوم بها الطبيب (بيكي – Béguet) من معهد باستور بالجزائر، لإجراء عمليات تلقيح داخل القصور، حيث استطاع تلقيح 820 شخصا في ظرف 48 ساعة بروح مهنية عالية.. وألتمس منكم تعيين طبيب عسكري ولو مؤقتا؛ ليبدأ حملة من التطعيم الجنري . وسأكون لكم شاكراً إن رفعتم المسألة إلى سيادة المقيم العام ..

ونظرا للوضع الخطير الذي تعيشه فجيج سارع المقيم الى تعيين الطبيب العسكري (مارتي ـ Marty) في السابع عشر من شهر نونبر، قادما إليها من فاس.

كانت عمليات التلقيح ضد الجدري تعمم على سائر القصور حينما يشعر المسؤولون بظهور هذا الوباء ، وكانت مستلزماته ترد من معهد باستور بالجزائر العاصمة.. وبفضل التطعيم والوقاية والاحتراز لم يسجّل في عام 1926 إلا حالة واحدة، وسيرتفع في سنة 1946 إلى مائة وعشرين مصابا

4/ التيفـوس : Typhus

هذا هو الوباء الذي راح ضحيته طبيب فجيج [أوكييه] عام 1919، وأصاب ممرضه عبد الرحمن بن أحمد بن علاّ المعيزي، وعددا آخر من القصوريين والأوروبيين، وحتى الحاكم باريال سقط في ذات السنة مريضا لعدة شهور .. وقد عاد في عام 1921 ليقتل عددا، ويسلم منه آخرون ، منهم الدكتور (لوبلان ـ Leblanc ، وثالث في عام 1926 ذهب ضحيته ست حالات ، وسجلت إصابة واحدة في العام بعده ، وفي مطلع السنة الموالية سجل بفجيج وفيات بلغتنا أصداؤها من خطاب رفعه الحاكم إلى جماعة الوداغير، ونصه:

“… أمرنا الجماعة أن تعلم البيرو بالوفاة التي تقع في قصركم، وذلك على شأن المرض المسمى تيفيس؛ ليسع الطبيب أن ينظر للمرض المذكور” .. ومن المرجح الذي يشبه اليقين أن الجماعات الأخرى تلقت خطابات مشابهة في ذات الموضوع.

وقد اتخذت عدة إجراءات احترازية منها حملات التوعية وتحذير السكان من الأوبئة التي تنتشر في المناطق المجاورة ، ومنها تكثيف عمليات التلقيح فور ظهور بوادره، بالإضافة إلى تنظيم حملة تطعيم مرتيْن في العام، واحدة في فصل الربيع، وأخرى في فصل الخريف، بحيث تغطيان معظم مناطق الدائرة.. ويبقى أفضلها وأنجعها الاجتماع الذي عقدته “لجنة الوفاق الصحي” المغربية – الجزائرية بوجدة عام 1921، بحضور أطباء الجهتين ومسؤوليها الإداريين. تم الاتفاق بينهم بناء على دعوة المدير العام لدائرة الصحة الطبيب المفتش (أوبرلي – OBERLE) إلى إحداث مركز طبي مشترك للوقاية من التيفوس في الحدود المغربية الجزائرية، يكون مركزه ببني ونيف، والاستفادة مشتركة بينها وبين فجيج

وتشير وثائق الصحة المحلية إلى أن عام 1921 شهد انتشارا محكما لهذا الوباء، وحتى نقف على ظروفه العامة، وآثاره، والجهود المبذولة للتخفيف من شدته نورد تقرير الدكتور “مارتي” بعد جولة يوم واحد في قصر زناكة:

أحيطكم علما أنه بعد اتفاق شفهي بيني وبين رئيس المراقبة، انتقلت إلى قصر زناكة بعد إخبار من جماعتها بظهور حالات مرضية مشبوهة. وقد تمكنت من فحص خمس حالات، كانت نتائجها كالآتي:

1/ أحمد بن إدريس: مريض منذ 12 يوما، حالته العامة حرجة تبعث على القلق، لسانه مسْمرّ، احتقان في العين، وتضخم في الطحال، تنفط واضح في صدره وبعض أعضاء جسمه، دقات قلبه سريعة. تشخيص المرض: ” تيفوس

2/ سّي محمد بن الصديق: مريض منذ 24 يوما، اختفى التنفط من بشرته تقريبا، وبقي آثاره في الصدر وبعض الأعضاء، كان يشكو من الحمى والصداع، وهو يتماثل للشفاء..

3/ بوبكر بن هكّو: مريض منذ عشرين يوما، يعاني من تنفط في البشرة وفتور الأعضاء وتلبد الذهن، شفته مغلفة بطبقة سمراء، احتقان وتضخم في العين.

4/ محمد بن هكو: أخو المذكورسابقا، لوحظ عليه نفس الأعراض، إلا أنه دخل في طور النقاهة

5/ حمّو دادّا بن هكّو: ابن عم المذكورين قبل، حالته خطيرة، تنفطه يسيل أحيانا، ذهنه متلبد كلية، الشفتان ترتعشان، اللسان يابس، صعوبة في التنفس.. التشخيص: تيفوس خطير، مشرف على الموت.. .

هؤلاء هم المرضى الخمسة الذين فحصتهم، وهناك احتمال كبير أنهم أخفوا عني كثيرا غيرهم، وخاصة النساء والأطفال، وقد مات منهم عدد كبير في الفترة الأخيرة.

وأمام ظهور هذه الحالات من التيفوس لي الشرف أن أقترح عليكم الإجراءات التالية:

1/ عزل الحالات التي زرتها هذا الصباح في زناكة، والحالات التي سنكشف عنها خلال الجولات الأخرى. ويبدو لي أن دار الجماعة بزناكة تصلح لذلك، على أن نكلف ممرضا يرابط هناك لمراقبتهم، ويمنع اتصالهم بالعالم الخارجي، ويقدم لهم العلاج الموصوف. هذا العزل سيكون متبوعا بتفلية المرضى.

2/ التفلية، والمراقبة الصحية لذويهم ومحيطهم، منعا لانتشار الوباء.

3/ تطهير منازل المصابين.

ماهي أسباب هذه العدوى؟ لا جواب عند الناس المفحوصين، هم لا يعرفون شيئا، لقد تعودوا أن يرى بعضهم بعضا مغطّى بالحشرات الطفيلية القذرة التي لا يحترسون منها.. زناكة قصر تجاري، سكانه لا يترددون في السفر لقضاء مآربهم، يذهبون إلى سعيدة ومشرية أو أي مركز جزائري آخر، أصابته العدوى بقوة في أيامنا هاته، وربما أصيب أحد هؤلاء التجار بأعراض التيفوس، فينقلها إلى زناكة، وهذا محتمل جدا، وأعتقد أنها الفرضية التي علينا أن نتأمل فيها، وعلينا أن نواجهها.

في انتظار ذلك، أود أن أثير انتباهكم إلى الخطر الذي يمكن أن يجلبه إلى زناكة والقصور الأخرى، المتسولون وغيرهم من المتشردين والأفاقيين الصعاليك الذين يجولون أزقة المدينة، أو يقضون يومهم في المساجد في انتظار إحسان أو طعام، فيحصدون كل ما في حصائرها من قمل ويتركون أعدادا أخرى..

ولقد توفي أحد هؤلاء بزناكة في الجمعة السابقة، وحسب ما قيل لي فإنه كان يعاني من أعراض مشابهة لأعراض التيفوس.. وباء استثنائي تقابله إجراءات استثنائية: ألا يمكن أن نجمع هؤلاء والقيام بتفليتهم، ثم نعزلهم في ما يشبه معسكر اعتقال ، مثلما فعلنا في شهر يونيو 1920، والذي رُصد له اعتماد ألف فرنك.

مثل هذه التقارير والمذكرات لها قيمة معتبرة في رصد جوانب الحياة العامة بفجيج، ومنها الحالة الصحية، وكل منها تقدم إضافة غنية إلى سابقاتها، ومن هنا تأتي أهمية تدعيمه بتقرير الدكتور بيلوكان [Peloquin] الطبيب الرئيسي لعمالة وجدة، الذي انتقل بدوره إلى فجيج فور تلثّيه خبرَ ظهور حالات مؤكدة من التيفوس، ومكث بين قصورها يومين متتالييْن يسأل ويفحص، والتقرير موجه إلى القنصل العام حاكم جهة وجدة، وهذا نصه:

يشرفني إعلامكم بأن طبيب فجيج أخبرني بظهور حالات من التيفوس، فانتقلت إليها، وأقمت فيها يوميْ السادس والسابع من أبريل.. وهذه الزيارة جعلتني أخرج بالملاحظات التقنية التالية:

* يوجد وباء التيفوس بفجيج.

* الوباء اتخذ شكلا هينا كما هي الحال في باقي المنطقة.

* الحالات الملحوظة ظهرت في موجات صغيرة وفي أزمنة متباعدة نسبيا.

* عدد الموتى مرتفع ولكنها لم تبلغ درجة الاستنفار والإنذار بالخطورة. ويبدو أن زناكة هو القصرالوحيد الذي انتشر فيه، وفي قصر المعيز حالتان، انتقلت إليهما العدوى من زناكة.

* يبدو أن مصدر هذا الوباء هو مدينة “مشرية”، وللفجيجيين علاقات تجارية شبه دائمة مع هذا المركز المصاب. غير أن المعلومات المأخوذة من عين المكان ترجح أن الوباء الحالي ليس إلا عودة مرض مستوطن.

* زرنا كل القصور، وسألنا عددا من أعضاء الجماعات والأئمة والمؤذنين. واستطعنا أن نتبين ما يلي:

مريضان في تطور يوجدان الآن في المستشفى.

تسعة مرضى في قصر زناكة.

مريضان في قصر المعيز.

ثمانية مرضى في طور النقاهة.

مريضان ماتا في المستشفى، ولا شك أن سبب موتهما مرتبط بالتيفوس.

حاصل الكلام: سجلنا ثلاثا وعشرين حالة في مدة شهرين، وموت اثنيْن من ساكنة تبلغ 15000 نسمة، وهي أعداد لا أهمية لها، علما بأننا لم نفحص إلا المرضي الذين قدمهم الأعيان إلينا.

والخلاصة: فجيج أصابها التيفوس كسائر إفريقيا الشمالية، وهو غير خطير خصوصا إذا تعلق الأمر بوسط يستوطنه هذا المرض منذ أزمنة يصعب تذكرها

وبالنظر إلى عزلة الواحة سيكون من الحمق والعبث أن نتخذ أي إجراءات خاصة تجاه هذه الواحة. وقد أعطيت الأوامر للطبيب للشروع في تطهير المساكن من الجراثيم، وعزل المنازل المصابة.

وإن اتفق أن انتشر الوباء خلال الصيف – واحتمال ذلك ضعيف – فإن حالات التيفوس سترتفع بنسبة تنذر بالخطر، وآنذاك يمكن عزل المرضى في بنايات جماعة زناكة؛ لأنها مهيئة بشكل جيد، فهي تحتوي على غرف تحيط بصحن، يصلح لإقامة صالات للعلاج، ومطابخ، وغرفة للكبرتة [sulfuration] ثم إن وجودها خارج التجمعات السكنية يساعد على ذلك.. والمستشفى المحلي مجهز حاليا بما يكفي لتغطية الحاجات الراهنة.

هذه عينات ونماذج من الأوبئة التي ضربت فجيج القديمة والحديثة، وما صاحبها من الإجراءات والتدابير الساعية إلى حصارها، يمكن استلهام بعضها في هذه الحالة الصعبة التي يمر بها العالم، وخاصة التأكيد على الحجر المنزلي التلقائي الذي سيمون له أكبر الأثر في التعجيل برحيل هذا الوباء، أو عدم انتشاره على الأقل.

وإلى مقال آخرَ نتحدث فيه عن موضوعٍ آخرَ إن شاء الله تعالى.

0 commentaires

Soumettre un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

*

code

<a href="https://armfm.fr/author/mbenali/" target="_self">Mohamed BENALI</a>

Mohamed BENALI

Né à Ksar Maïz (Figuig) le 08/09/1954, président de l’association « Alfath » et professeur/chercheur, il a écrit plusieurs des ouvrages et quelques poèmes en arabe et amazigh.

Abonnez-vous !